المؤمن الروحي
ذهبت لزيارة أحد الأصدقاء وكان يعاني من آثار حادث سيارة تعرض له والرب أنقذه، وكان يشاركنا الجلسة أفراد عائلته وبعض أصدقائه، وكان الحديث يدور هنا وهناك ونحن جالسين نتجاذب أطراف الحديث حضر خادم للإنجيل ومعه زوجته ومن لحظة دخوله أخذت الجلسة مسارًا جديدًا في الحديث والكلام. فمنذ دخوله بدأ يتحدث عن الرب وعن معاملات الرب وتحولت الجلسة إلى جو روحي رائع أشاع البهجة والأمل والرجاء وشد أسماع الجالسين.
حقًا ما أبعد الفرق بين المؤمن الروحي والمؤمن الجسدي.
المؤمن الروحي شخص له علاقة قوية روحية مع الله شخص يعرف قلب الآب ويستطيع أن يميز صوت الآب.
وأود أن أسوق لكم مثالاً حيًا عن علاقة يسوع المسيح مع الله الآب أثناء تجسده على الأرض ووجوده بيننا كإنسان كامل.
عاش يسوع حياته كلها معتمدًا على الله الآب لم يقل شيئًا أو يفعل شيئًا إلا بمشورة الآب.
في إنجيل يوحنا الأصحاح الخامس كان يسوع يمر عند بركة حسدا ورأى إنسان مريض منذ ثمانية وثلاثين عامًا فشفاه وقال له: قم احمل سريرك وأمش”.
وهنا تذمر عليه اليهود لأنه كسر السبت فقال يسوع: “لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الآب يعمل”.
لقد كان يسوع يتشاور مع الله الآب ويسمع صوته بصفة دائمة ويومية. وما أكثر المرات التي قرأنا فيها عن يسوع أنه ذهب إلى موضع خلاء منفردًا ليصلي، ويعلمنا يسوع درسًا أن سماع صوت الله لا يتم إلا ونحن راكعين وساجدين في محضر الله.
وقبل أن يتخذ يسوع قرارًا هامًا باختيار تلاميذه الإثنى عشر يقول لوقا في (6: 12) “وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي. وقضى الليل كله في الصلاة لله”.
وهذا يعلمنا درسًا أننا قبل كل قرار مصيري في حياتنا يجب أن نقضي وقتًا في الصلاة، وبدلاً من أن نستشير الآخرين بالأولى أن تستمع إلى صوت الله.
قبل أن يتحدث يسوع بالكلمات الخالدة فوق الجبل قضى يسوع وقتًا في الصلاة لذلك خرجت من فمه هذه الكلمات التي غيرت مجرى التاريخ.
وهذا درس لكل خادم ولكل واعظ يجب أن تجلس في محضر الرب لتستمع إلى صوته قبل أن تقف على المنبر وتتحدث إلى السامعين.
في إنجيل متى إصحاح 14 صنع يسوع معجزة عظيمة حيث أشبع نحو خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد بخمسة أرغفة وسمكتين، وبعد هذه المعجزة لم ينتظر أن يسمع مديحًا، أو ذهب للراحة ولكنه بعد المعجزة مباشرة صرف الجموع وصعد إلى الجبل منفردًا ليصلي.
ما أكثر حاجتنا في أوقات النجاح أن نتواضع وأن نعطي المجد للرب بدلاً من أن نطلب مديح الآخرين ونأخذ المجد لأنفسنا.
مرات قال الكتاب عن يسوع أن كل من لمسه نال الشفاء، ومرات أخرى امتنع عن أن يشفى لعدم الإيمان.
كيف استطاع يسوع أن يميز بين هذا وذاك. ذلك لأنه كان يقضي وقتًا مع الآب يستمع فيه إلى صوته.
وما أحوجنا إلى روح التمييز، ما أكثر المرات التي وقفنا حائرين هل نفعل هذا أم نمنتع عن ذاك؟ إننا نحتاج أن نتشبه بيسوع الذي كان له روح تمييز، والذي كان يستمع إلى هذا الصوت الهادئ المنخفض الخفيف، صوت الآب.
معظم الخدام يقولون: إن الوقت ضيق، ويلتمسون الأعذار لعدم قضائهم وقتًا كافيًا في محضر الرب.
كان وقت يسوع مشغولاً كله بالخدمة، كان يجول يصنع خيرًا ويشفي المتسلط عليهم إبليس. كان يذهب سيرًا على أقدامه مسافات طوية وكان وقته كله مزدحمًا.
ولكن رغم مشغوليته الكبيرة كان يسوع يعطي الأولوية القصوى لقضاء أثمن الأوقات مع الله الآب.
ما أحوجنا اليوم كمؤمنين وكخدام أن نعيد تقييم حياتنا وأن نضع الأولويات بطريقة صحيحة في حياتنا. من العار علينا أن نجد وقتًا لكل شيء ما عدا الصلاة.
أمرًا مؤسفًا أن تكون اجتماعات الصلاة في كنائسنا اجتماعات اسمية لا يحضرها أحد. نحن نحتاج إلى ثورة في كنائسنا تجعل الخدام والمخدومين يعيدون تصحيح علاقتهم مع الله.
ما أكثر الخدام المثقفين الحاصلين على درجات علمية، فهذا يحمل دكتوراه في اللاهوت أو علم النفس أو علم الوعظ وعندما يقف على المنبر نجد أن كلماتهم فارغة بلا قوة وبلا تأثير، والسبب أنهم ملأوا أذهانهم بالمعرفة العلمية وفقدوا علاقتهم الروحية الشخصية مع الله الآب.
إن ما نحصل عليه في خلوتنا مع المسيح ونحن راكعين على ركبنا لا يمكن أن نحصل عليه من الكتب أو الدراسات أو العلم.
لقد كان يسوع مثالاً رائعًا في علاقته مع الله الآب، فهيا بنا نتمثل بيسوع، ونبني علاقة قوية مع الله الآب.
