عندما يهتز العش
النسر هو ملك الطيور.. وعندما نتأمل في حياته، سنخرج بدروس نافعه ومفيدة لنا في حياتنا اليومية والعملية..
ومن الأشياء المثيرة أن نتأمل كيف يتعامل النسر مع فراخه الصغار من يوم مولدها إلى أن يشتد عودها وتصبح نسورًا قوية لدرجة أن هذه الصورة جذبت انتباه موسى فرأى أن علاقة النسر بفراخه تشبه كثيرًا علاقة الله الآب بأولاده، وقد ذكر الوحي في (تث32: 11-12) قائلاً: “كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف، ويبسط جناحيه ويأخذها ويحملها على مناكبه، هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي”..
فالنسر طائر قوي جدًا يطير على ارتفاع شاهق، ويبني عشه في أماكن عالية جدًا.
وعندما تضع النسور فراخها، تضعها في العش وتعتني بها وتطعمها وتوفر لها كل سبل الراحة والأمان.
وهذه صورة للمؤمن الحديث الإيمان بعد الميلاد الثاني يرى كل شيء جديدًا رائعًا مريحًا ويوفر له الله كل سبل العناية في فرح وسلام.
لكن فجأة يحدث شيء غريب!! حيث يحرك النسر العش على فراخه ويضطرب الصغار داخل العش.. وليس هذا فقط، بل إن النسر يأخذ صغاره إلى حافة العش، ومن ارتفاع شاهق يدفعها لأسفل..
وهي صورة تبدو غير مفهومه لصغار النسر، لماذا يفعل النسر الكبير ذلك؟ هل يريد أن يقتل الصغار؟ هل يريد أن يخيفهم ويرعبهم؟ كلا.. كلا.. إنه يفعل ذلك لخيرهم وصلاحهم ونضوجهم.
إن النسر لا يترك صغاره في الهواء بل يراقبهم ويرفرف بجناحيه من حولهم ويحيط بهم من أسفل ويحملهم على جناحيه عند الحاجة، وهكذا يكرر النسر هذه العملية مع صغاره مرات عديده..
إن هذه الصورة عينها يستخدمها الله معنا مرارًا كثيرة حيث يأتي ويهز علينا العش.. فالنسر لا يريد لصغاره أن يظلوا أطفال خاضعين خائفين داخل عش صغير بل يريد أن يدربهم على الطيران حتى يرتفعوا ويسموا إلى أعلى..
وهذا هو هدف الله نحو أولاده، أن لا يظلوا فراخًا صغيرة قابعة في العش بل أن ننمو وننضج ونقوى وتكون لنا أجنحة قوية قادرة على الصمود والارتفاع..
ذهب يوسف إلى مصر وأصبح الرجل الثاني بعد فرعون، وجاءت عائلته كلها لتعيش في أرض مصر واستقروا في أرض جاسان وبدأوا يزرعون ويحصدون في الأرض..
وكأن أبناء يعقوب صنعوا لهم عشًا في أرض مصر واستقروا بداخله وجاء الله وحرك عليهم العش، وهزه هزًا عنيفًا وسقطوا تحت العبودية والضيق، وكان هدف الله أن يحررهم من أرض مصر، من العش الذى صنعوه لأنفسهم لينطلقوا إلى الأرض التى تفيض لبنًا وعسلاً..
في سفر الأعمال نجد الكنيسة الأولى بنت لنفسها عشًا في أورشليم واستقرت في داخله.. وكانت هناك اجتماعات روحية ونهضة عظيمة، وخدمات متنوعة، وكان الرسل والتلاميذ سعداء جدًا بخدمتهم في أورشليم، ولكن فجأة جاء الله وحرك العش واهتز بشده من وطأة الاضطهاد وتشتتوا جميعًا من أورشليم وكانت النتيجة هي انطلاق الخدمة والبشارة والكرازة بالإنجيل إلى اليهودية والسامرة وإلى كل أنحاء الأرض..
وتحول الرسل والتلاميذ من فراخ صغيرة قابعة في عش أورشليم إلى نسور قوية تضرب الهواء بأجنحتها وتنشر الرسالة في كل مكان.
إن الله مرات كثيرة يهز عش حياتك.. ولكنه لا يتركك للخطر، إنه يراقبك، إن عينيه عليك دائمًا وعندما يراك ضعيفًا غير قادر على مواجهة الأنواء والرياح فإنه يتدخل ليحملك على منكبيه.
عندما هز الله العش على شعبه في أرض مصر وانطلقوا منها وجدوا أمامهم خطر عظيم، فالبحر الكبير أمامهم وفرعون وجيشه من خلفهم. وهنا تدخل الله وحمل شعبه على منكبيه. حيث يقول في (خر19: 4) “أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريين. وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليَّ”.
عزيزي القارئ:
لا تخف ولا تيأس ولا تفشل استمر في الطيران، اضرب الهواء بأجنحتك. وإن شعرت بتعب وبعدم قدرة على الطيران تعالى إلى الله الذي يجدد مثل النسر شبابك.
فالنسر يأتي عليه وقت يشعر فيه بالجفاف والتعب والمرض ويبدأ في فقدان ريشه وتضعف وتهزل أجنحته، ولكن النسر يعرف العلاج إنه يصعد إلى قمة عالية ويقف على صخرة ويعرض جسده لحرارة الشمس فتشرق عليه الشمس والشفاء في أجنحتها، فيجدد ريشه ويستعيد شبابه ويعاود الانطلاق من جديد.
فإذا كانت مصادر القوة قد نضبت في حياتك تعالى إلى المسيح، وثبت أقدامك على هذه الصخرة وانتظر الرب الذي “يعطي المعيى قدرة ولعديم القوة يكثر شدة. الغلمان يعيون ويتعبون، والفتيان يتعثرون تعثرًا وأما منتظرو الرب فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون” (إش40: 29-31).
“الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك” (مز103: 5).
