دروس من أوغندا
أتيحت لي فرصة السفر إلى أوغندا تلك الدولة الإفريقية التي ترتبط برباط الحياة مع مصر حيث ينبع منها نهر النيل من بحيرة فيكتوريا. وعندما نظرت من نافذة الطائرة قبل هبوطها وجدت أن اللون الأخضر يغطي كل مكان على الجبال والتلال وكان المنظر رائعًا. حيث أن درجة الحرارة معتدلة طوال العام مع سقوط أمطار غزيرة تروى الأرض الخصبة فتنتشر الخضرة في كل مكان.
وظننت أن جوًا رائعًا ومطرًا غزيرًا وتربه خصبة لا بد أن توفر أسباب الراحة والسعادة لسكان البلد البالغ عددهم حوالي 25 مليون نسمة.
ولكن، وآه من لكن هذه، حيث وجدت أن الأوبئة والأمراض الفتاكة تفتك بسكان البلد كبارًا وصغارًا. حيث ينتشر مرض الإيدز انتشارًا كبيرًا كما هو الحال في الكثير من الدول الأفريقية. وللأسف عددًا كبيرًا من المصابين هم من الأطفال الصغار وليس الإيدز فقط هو الذي يقضي على حياة الملايين، بل هناك أيضًا مرض الملاريا وهو منتشر بنسبة مرتفعة ويقضي على حياة الكثيرين.
زرت بعض القرى والأماكن البعيدة عن العاصمة فرأيت هذا الثالوث المرعب الفقر والجهل والمرض. أماكن ليس بها ماء أو كهرباء حيث يعيش الناس في فقر مدقع، بيوتهم عبارة عن أكشاك من الصفيح. رأيت أطفالاً عيونهم غائرة وأجسادهم نحيلة ويرتدون ثيابًا بالية ويسيرون حفاة في شوارع غير مرصوفة أو ممهدة حيث تغوص أقدامهم في الطين. رأيت أطفالاً صغارًا يحملون جراكن على رؤوسهم ويسيرون مسافات طويلة بحثًا عن بئر الماء ليحصلوا منها على بعض المياه.
رأيت عائلات تعيش اليوم كله على وجبة واحدة لا تحتوى على لحومًا أو طيورًا ولكنها وجبة فقيرة وبسيطة من الموز الأخضر الذى يطبخونه ويعيشون عليه.
رأيت مدارس للأطفال فصولها مبنية من الطين وسقفها من الصفيح ومقاعدها دكك خشبية متهالكة وغالبية الأطفال يأتون إلى المدرسة بدون حذاء.
رأيت أطفالاً يهيمون على وجوههم في الشوارع حيث لا مأوى لهم.. ولا عائلة، ينامون على رفوف من الخشب في الشوارع.
رأيت سوقًا مزدحمًا وعندما دخلت فوجئت بأنه مكان لبيع توابيت دفن الموتى، وقد أدمعت عيناي وأنا أرى معظم التوابيت الخشبية من الحجم الصغير حيث أنها مخصصة للأطفال الذين ترتفع بينهم نسبة الوفيات بسبب الأمراض وسوء التغذية.
ورغم هذه الصورة القاتمة إلا أنه توجد صورة أخرى مشرقة ورائعة.. فعلى الرغم من الظروف الصعبة قابلت مؤمنين حقيقيين ارتفع إيمانهم وتقوى في بوتقة الظروف التي يعيشون فيها. ورأيت أطفالاً صغارًا يرنمون ويهتفون لشخص المسيح الذى يعيش في داخل قلوبهم.
ورأيت كنائس مُمتلئة بالمتعبدين الفرحين المتهللين، وقد امتلأت قلوبهم بنور الأمل وشمس الرجاء.
وفي نهاية كلمتي هذه أريد أن أشجع نفسي وأشجعكم أن نشكر الله من أعماق قلوبنا على بلادنا المصرية بكل ما فيها فنحن نعيش في ظروف رائعة مقارنة بالكثيرين من حولنا وفي نفس قارتنا..
إلى كل شاب ساخط على أوضاعه وناقم على ظروفه، كل أمله في الحياة أن يهاجر بعيدًا إلى بلاد أخرى.. فيا صديقي الشاب أن الحقول البعيدة ليست دائمًا خضراء..
إلى أبنائي الصغار أشكروا الله على والديكم.. وبيوتكم.. وعائلاتكم.. وعلى الملابس التي نرتديها.. والأحذية التي نضعها في أقدامنا.. وعلى الطعام الوفير الذي تذخر به موائدنا..
“إن صلاتي أن ننتهر روح التذمر والسخط، وأن نتعلم كيف نشكر الله فعلاً، وأن نقبل أنفسنا، وأن نحب بلادنا، وأن نخلص في أداء أعمالنا”.
تأمل في نفسك وأحوالك وستجد مئات بل آلاف البركات التي تنعم بها وتعيش فيها…
“أفرحوا في الرب كل حين وأقول أيضًا أفرحوا. لا تهتموا بشيء بل في كل شيء بالصلوة والدعاء مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى الله. وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع” (في4: 4- 7).
